كتابات

عن رضوان الهمداني وحميد الاحمر والديالكتيك 

عن رضوان الهمداني وحميد الاحمر والديالكتيك 
منصة انزياحات

زميلي النبيل رضوان الهمداني، زميلي التاريخي ودائما ،قرأت مقالتك الرائعة التى نشرتها منصة انزياحات.. تلك الكتابة الساخرة جعلتني ارد عليك. قل وقد أعدت قراءة المقال أكثر من مرة،يبدو أن ما حدث لحميد الأحمر لم يكن مجرد انزلاق في متاهة القات الليلية التي يصنعها الديالكتيك، بل كان أيضا رحلة في التيه الفكري المربك، حيث التقى بالأفكار المهجورة التي لا تجد ملاذا إلا في عقول الشخصيات المثقلة بالوهم والذاكرة المشوشة.

في اللحظة التي اقتنع فيها حميد بأنه “صانع الملوك”، تحولت رؤيته لليمن من مشروع سياسي إلى سردية تاريخية ملحمية، ربما شبيهة بحكايات ألف ليلة وليلة، أو ربما أقرب إلى إحدى قصص ماركيز المليئة بالسحر والجنون.

 

القات الغيلي، الذي كان يفضله، لم يكن مجرد نبتة عادية؛ بل كان جسراً زمنياً يربط بين الماضي المدهش، حيث كان أجداده حسب الديالكتيك ملوك الأندلس، وبين الحاضر المأساوي الذي تآكلت فيه ثروته وخرجت طموحاته السياسية عن السيطرة. هذه اللحظات من التخزين الليلي مع الديالكتيك الأصلع ذي الرأس الكبير لم تكن فقط فرصاً للنقاش السياسي، بل كانت مجالاً لتكثيف الخيال والتفكير في خرائط مستقبلية لا يمتلك فيها حميد سوى سلطة وهمية.

 

الرؤية العجيبة التي قدمها له الديالكتيك، بأن أجداده كانوا ملوك الأندلس، كانت بمثابة اللقطة السينمائية التي تكتشف فيها الشخصية شيئاً مدهشاً وغير متوقع عن ماضيها. ولكن، كما هو الحال في جميع الأفلام السريالية، ما يبدو وكأنه اكتشاف حقيقي هو في الواقع وهم يصنعه العقل المأزوم. حميد، الذي قرر أن يخلق لنفسه مملكة في قلب اليمن أو حتى في برشلونه، نثر ثروته كما ينثر المجنون أوراق اللعب في كازينو مليء بالدخان والأضواء الخافتة. هنا، التحول الفعلي لم يكن في الأموال التي تبخرت، بل في النفسية التي فقدت السيطرة على الواقع.

 

الدور الذي لعبه الحوثيون في “قشقشة” الأموال كان أشبه بالضربة القاضية في مباراة ملاكمة غير عادلة. لقد انتهى الأمر بحميد تحت تأثير هذا السرد العبثي، حيث لم تعد الأموال التي جمعها من “مطبعة الزلط” سبأفون ذات أهمية تُذكر. أصبحت القضية قضية هوية وكرامة، أو بالأحرى، صراعاً مع النفس لتبرير الأوهام القديمة التي استدعاها الديالكتيك من كتب التاريخ والمرويات الخيالية.

 

ربما كانت “مدينة البهائم” التي أُهديت له في النهاية هي المرايا الأخيرة التي عكست له صورة حياته كما هي: شاب مراهق ضل طريقه في بيت جدته التي لا تفعل شيئا سوى صنع المقالب والنكبات للآخرين. وبهذا، نكتشف أن القصة التي عاشها حميد لم تكن سوى قصة خيالية بامتياز، حيث اختلطت السياسة بالحكايات، والمال بالوهم، والديالكتيك بتخزينات القات التي لم تجلب سوى المزيد من الضياع.

 

في النهاية، فإن حميد الأحمر لم يكن ضحية السياسة فقط، بل كان ضحية السرديات التاريخية المغلوطة وأحلام الملوك المتساقطة. اختار أن يعيش داخل وهم “الأندلس المفقود” و”المستقبل المرسوم”، في حين أن الواقع كان يعيد تشكيله ليصبح مجرد هامش صغير في كتاب سياسي كبير. هذا الواقع السريالي الذي يحيط به الآن، مع هدية الديالكتيك الأخير ورواية “مدينة البهائم”، هو تجسيد نهائي للفكرة: أن الخيال عندما يتجاوز حدود العقل، يصبح سجنا لا يفر منه صاحبه إلا إلى مزيد من الخيبة والانهيار.

 

وفي هذا المشهد العبثي، لا نجد سوى السؤال المفتوح: هل سيتعلم حميد من هذا الانهيار؟ أم سيبقى أسيرا لحكايات الديالكتيك الغريبة ورؤى الماضي التي لا تمت للحاضر بصلة؟ الزمن فقط هو من سيجيب.